نصر حامد أبو زيد

37

الاتجاه العقلي في التفسير

الذي واجهه زيد بن علي كان حادا حتى أنه - فيما يقول الشهرستاني - ذهب إلى أن « كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة ، أن يكون إماما واجب الطاعة سواء من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي اللّه عنهما » 84 وهو قول يجعل القدرة على الخروج وحمل السيف شرطا للإمامة ومسوّغا لها . ولقد كان من الطبيعي أن يعترض أخوه محمد الباقر على قوله هذا حتى قال له يوما « على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج ولا تعرض للخروج » 85 ولم يكن واصل بن عطاء على أي حال بعيدا عن جو الخلاف الشيعي هذا . ونحن بالقطع لا نستطيع أن نتقبل تلك الرواية التي تجعل من واصل تلميذا مباشرا لمحمد بن الحنفية ، بل وتدّعي أنه « أخذ علم الكلام عنه ، وصار كالأصل لسنده » 86 وتبالغ حتى تنسب إليه أنه « ربي واصلا وعلّمه حتى تخرّج واستحكم » 87 والسبب في ذلك أن واصلا ولد عام 81 ه وهو نفس العام الذي توفي فيه ابن الحنفية . ومن المحتمل ان يكون واصل قد عرف أفكار ابن الحنفية عن طريق ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ( ت 98 ه ) وهذا أمر تؤكّده سلسلة السند التي يعتزّ بها كل من المعتزلة والشيعة ، والتي تنتهي إلى واصل وعمرو « وهما أخذا عن عبد اللّه بن محمد ، وعبد اللّه أخذ عن أبيه محمد بن الحنفية » 88 ومن جهة أخرى تؤكّد هذه المصادر صلة واصل بأبي هاشم هذا « وكان معه في المكتب » 89 . ولسنا نذهب من هذه الرواية إلى نسبة الاعتزال إلى محمد بن الحنفية كما تحاول المصادر الاعتزالية والشيعية أن تفعل ، بقدر ما نحاول إثبات الصلة بين واصل والشيعة في هذه الفترة لرصد التأثير المتبادل بينهما . ومن المحتمل أن يكون ابن الحنفية الذي « اختار العزلة ، فآثر الخمول على الشهرة » قد ذهب إلى الإرجاء أو التقيّة تبريرا لهذا الموقف الذي فرضته عليه الظروف . ولقد ظلّ هذا الرأي الذي يرى الهدوء والتريث والتقيّة سائدا بين صفوف الشيعة حتى قرر زيد بن علي الخروج . وكان قراره هذا موضعا لخلاف أخيه محمد الباقر وابن أخيه جعفر بن محمد الصادق . ويبدو أن واصلا كان على رأي زيد في ضرورة الخروج حتى اتهمه جعفر بن محمد بأنه أتى أمرا يفرّق الكلمة ويطعن به على الأئمة . وكان رد واصل على هذا الاتهام - في حضور زيد بن علي وغيره من آل البيت « وإنك يا جعفر ابن الأئمة شغلك حب الدنيا فأصبحت بها كلفا » 90 . ويمكننا أن نستنبط من الاتهام والرد معا أن الخلاف بين واصل وبين جعفر لم يكن حول قضية من قضايا الفكر الاعتزالي الشهيرة ، أو أصولهم الخمسة ، لأن هذه الأصول لا تتضمن أي إساءة للأئمة . وأغلب الظن أن هذا الخلاف كان حول